اسماعيل بن محمد القونوي

96

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

تضرعوا قوله : إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا [ الأنعام : 43 ] ظرف له ولولا التحضيضية الداخلة على الماضي تفيد اللوم والتنديم على عدم الفعل فيلزمه نفي الفعل وهذا اللازم هو المراد وهذا أبلغ ممن لم يتضرعوا لكونه كنويا لإفادته التوبيخ واللوم قوله في ذلك الوقت إشارة إلى ما قلنا من أنه في حكم المتأخر وظرف للتضرع . قوله : ( مع قيام ما يدعوهم ) وهو البأس الجائي أي الواقع أو مجيئه لما مر من أن المصيبة تكون سببا لخشية القلوب والرجوع عن الذنوب لكنهم لم يتضرعوا لوجود المانع وهو قسوة قلوبهم وتأثير العلة موقوف على وجود الشرط وانتفاء المانع فالمانع هنا متحقق كما صرح به بقوله وأنه لا مانع إلا قساوة قلوبهم ولم يذكر عدم المانع لكون المانع متحققا فيه لكن هذا المانع ليس بمانع حقيقة لكونه مبينا على العناد ولذا استحقوا اللوم على ترك الفعل ولم يكن لهم عذر فيه . قوله : ( استدراك على المعنى وبيان للصارف لهم عن التضرع ) لا على المبني إذ لا يصح الاستدراك من اللفظ وهو اللوم على ترك الفعل أي لم يتضرعوا ولم تلين قلوبهم ولكن قست الاستدراك بملاحظة ما ذكر من أن نفي لين القلوب لازم لعدم التضرع أو ملزوم له وأما ما قيل من أنه لما كان التضرع ناشئا من لين القلب كان نفيه نفيه فبناء على المسامحة ( وأنه لا مانع لهم إلا قساوة قلوبهم ) وقسوة القلب مثل في بعده عن الاعتبار وقبول الحق أو كناية وهذا لما كان من عند أنفسهم لا يعتد به في المانعية كما أشار إليه بقوله وأنه لا مانع عنه إلا قساوة الخ . وليس هذا من قبيل : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم الخ . لكنه قريب منه وقيل إنما حمله على قصد النفي دون التنديم ليحسن الاستدراك الأولى ليصح الاستدراك . لم يكن لهم عذر في ترك التضرع وأنه لا مانع لهم إلا إعجابهم وهذا المعنى إنما أفاده النفي الضمني المدلول عليه بكلمة التمني التي هي لولا فلو نفي التضرع صريحا وقيل ما تضرعوا لم يدل على عدم المانع من التضرع قال صاحب المفتاح وإذا قلت هلا أكرمت زيدا فكان المعنى ليتك أكرمت زيدا فيتولد منه معنى التنديم وفي الكشاف معناه نفي التضرع كأنه قيل فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم . قوله : استدراك على المعنى إنما قال على المعنى لأن قوله عز وجل : وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنعام : 43 ] جملة خبرية عطف على لولا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا وهي إنشائية لأنه في معنى التمني وعطف الاخبار على الإنشاء لا يجوز ولكنه متضمن لمعنى جملة خبرية فكأنه قيل لما جاءهم بأسنا لم يتضرعوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنعام : 43 ] وإنما عبر عن نفي التضرع بلولا لأن ترك التضرع قد يكون لعذر ومانع وقد لا يكون لعذر بل المجرد عناد فجيء بلولا ليدل على أن تركهم التضرع لا لعذر بل لعناد وقسوة قلب .